الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
136
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثم أعقب الترغيب بالترهيب من عواقب إيذاء الرسول بقوله : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو إنذار بعذاب الآخرة وعذاب الدنيا . وفي ذكر النبي بوصف رَسُولَ اللَّهِ إيماء إلى استحقاق مؤذيه العذاب الأليم ، فهو من تعليق الحكم بالمشتقّ المؤذن بالعلية . وفي الموصول إيماء إلى أنّ علّة العذاب هي الإيذاء ، فالعلة مركبة . [ 62 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 62 ] يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 62 ) عدل عن أسلوب الحكاية عنهم بكلمة ومنهم ، لأنّ ما حكي هنا حال من أحوال جميعهم . فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، لإعلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بأنّ المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة ، فلا تغرّهم أيمانهم ، فضمير يحلفون عائد إلى الذين يؤذون النبي . والمراد : الحلف الكاذب ، بقرينة قوله : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ، أي بتركهم الأمور التي حلفوا لأجلها ، على أنّه قد علم أنّ أيمانهم كاذبة ممّا تقدّم في قوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ التوبة : 42 ] . فكاف الخطاب للمسلمين ، وذلك يدلّ على أنّ المنافقين يحلفون على التبرّي ، ممّا يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وذلك يغيظ المسلمين وينكرهم عليهم ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يغضي عن ذلك ، فلذلك قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أي أحقّ منكم بأن يرضوهما ، وسيأتي تعليل أحقّية اللّه ورسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها فإرضاء اللّه بالإيمان به وبرسوله وتعظيم رسوله ، وإرضاء الرسول بتصديقه ومحبّته وإكرامه . وإنّما أفرد الضمير في قوله : أَنْ يُرْضُوهُ مع أنّ المعاد اثنان لأنّه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين ، واعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير : واللّه أحقّ أن يرضوه ورسوله كذلك ، فيكون الكلام جملتين ثانيتهما كالاحتراس وحذف الخبر إيجاز . ومن نكتة ذلك